أبي المعالي القونوي

17

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

التمهيد الموعود به منهج البحث اعلم أنّ هذا تمهيد يتضمّن قواعد كلّيّة يستعان ببعضها على فهم بعضها ، ويستعان بمجموعها على فهم كلام الحقّ وكلماته ، وخصوصا ما يتضمّنه هذا المسطور المتكفّل ببيان بعض أسرار الفاتحة من غرائب العلوم ، وكلّيّات الحقائق التي لا أنسة « 1 » لأكثر العقول والأفهام بها ؛ لعزّ مدركها ، وبعد غورها ، وخفاء سرّها ؛ إذ كانت ممّا لا ينفذ إليها إلّا الهمم الخارقة حجب العوائد ، والمرفوع عن أعين بصائر أربابها أستار الطباع « 2 » وأحكام العقائد ، ولا يظفر بها إلّا من سبقت له الحسنى وشملته العناية الإلهيّة ، فأنالته البغي « 3 » والمنى ، وحظّي بميراث من كان ربّه ليلة أسرى به بمقام قاب قوسين أو أدنى . وما من قاعدة من هذه القواعد إلّا وتشتمل على جملة من المسائل المتعلّقة بأمّهات الحقائق والعلوم الإلهيّة ، يمكن تقرير بعضها بالحجج الشرعيّة ، وبعضها بالأدلّة النظريّة ، وسائرها بالبراهين الذوقيّة الكشفيّة ، التي لا ينازع فيها أحد ممّن تحقّق بالمكاشفات النوريّة ، والأذواق التامّة الجليّة ؛ إذ كانت لكلّ طائفة أصول ومقدّمات هم مجمعون على صحّتها ، مسلّمون لها ، هي من جملة موازينهم التي يبنون عليها ، ويرجعون إليها ، فمتى « 4 » سلّمت لمن سلّمت له من محقّقي أهل ذلك الشأن ، تأتّى له أن يركّب منها أقيسة صحيحة ، وأدلّة تامّة لا ينازعه فيها أرباب تلك الأصول التي هي من موازينهم .

--> ( 1 ) . ب : آنسة . ( 2 ) . ق : الطبائع . ( 3 ) . ق : البغية . ( 4 ) . ب : فمن .